الميداني

6

مجمع الأمثال

إلى السماء بارتفاع فروعها في الهواء ثم قال تعالى * ( تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ ) * فشبه ما يكتسبه المؤمن من بركة الايمان وثوابه في كل زمان بما ينال من ثمرتها كل حين وأوان وأمثال هذه الأمثال في التنزيل كثير وهذا الذي ذكرت عن طويلها قصير واما الكلام النبوي من هذا الفن فقد صنف العسكري فيه كتابا برأسه ولم يأل جهدا في تمهيد قواعده وأساسه وأنا اقتصر ههنا على حديث صحيح وقع لنا عاليا وهو ما أخبرنا الشيخ أبو منصور بن أبي بكر الجوزي أنبأنا أبو الحسن عبد الرحمن بن إبراهيم أنبأنا أبو طاهر محمد بن الحسن أنبأنا أبو البختري أنبأنا أبو أسامة أنبأنا يزيد بن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري رضى اللَّه تعالى عنه قال قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم انما مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير فحامل المسك اما ان يحذيك واما ان تبتاع منه واما ان تجد منه ريحا طيبا ونافخ الكير إما . أن يحرق ثيابك وإما ان تجد منه ريحا خبيثة رواه البخاري عن أبي كريب عن أبي أسامة فكأن شيخ شيخى سمعه من البخاري ( وبعد ) فان من المعلوم أن الأدب سلم إلى معرفة العلوم به يتوصل إلى الوقوف عليها ومنه يتوقع الوصول إليها غير أن له مسالك ومدارج ولتحصيله مراقي ومعارج من رقى فيها رجا بعد درج ولم تهم شمس تشميره بعرج ظفرت يداه بمفاتح أغلاقه وملكت كفاه نفائس أعلاقه ومن أخطأ مرقاة من مراقيه بقي في كد الكدح غير ملاقيه وان أعلى تلك المراقى وأقصاها وأوعرها تيك المسالك وأعصاها هذه الأمثال التي هي لماظات حرشة الضباب ونفاثات حلبة اللقاح وحملة العلاب من كل مرتضع در الفصاحة يافعا ووليدا مرتكض في حجر الذلاقة توأما ووحيدا قد ورد مناهل الفطنة ينبوعا فينبوعا ونزف مناقع الحكمة لدودا ونشوعا فنطق بما يسر المعبر عنها حبوا في ارتقاء والمشير إليها يمشى في خمر ويدب في ضراء ولهذا السبب خفى أثرها وظهر أقلها وبطن أكثرها ومن حام حول حماها ورام قطف جناها علم أن دون الوصول إليها خرط القتاد وأن لا وقوف عليها الا للكامل العتاد كالسلف الماضين الذين نظموا من شملها ما تشتت وجمعوا من أمرها ما تفرق فلم يبقوا في قوس الاحسان منزعا ولا في كنانة الاتقان والايقان أهزعا والناس اليوم كالمجمعين على تقاصر رغباتهم وتقاعد هماتهم عما جاوز حد الايجاز وان حرك في تلفيقه سلسلة الاعجاز الا ما نشاهده من رغبة من عمر معالم العلم وأحياها وأوضح مناهج الفضل وأبداها وهمة من تجمعت في فؤاده همم ملء فؤاد الزمان إحداها وهو الشيخ العميد الأجل السيد العالم ضياء